انقطاعات الكهرباء متواصلة رغم تحسن الطقس.. هذه الأسباب المحتملة

انقطاع الكهرباء في تونس: لماذا يستمر رغم تراجع درجات الحرارة؟
رغم تراجع درجات الحرارة مقارنة بموجة الحر الاستثنائية التي شهدتها تونس خلال شهر أوت، ما تزال انقطاعات الكهرباء تثير تساؤلات التونسيين، خاصة مع تسجيلها في بعض المناطق حتى خلال الفترات المسائية.
وكان ارتفاع درجات الحرارة والاستعمال المكثف للمكيفات من أبرز الأسباب التي رفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات استثنائية خلال الصيف، إلا أن تحسن الطقس لا يعني بالضرورة اختفاء الضغط على المنظومة الكهربائية بصورة فورية.
لفهم ما يحدث، يجب أولاً التمييز بين القدرة الكهربائية المتاحة وبين كمية الطاقة المستهلكة، وفهم الطريقة التي تحافظ بها الشبكة على التوازن بين الإنتاج والطلب.
6.5 جيغاوات.. إلى أي مستوى وصل الطلب على الكهرباء؟
وفق المعطيات والتصريحات المتداولة خلال أزمة الكهرباء في صيف 2026، بلغ الطلب على الكهرباء في فترات الذروة حوالي 6500 ميغاوات، أي ما يعادل:
6500 MW = 6.5 GW
وهو مستوى مرتفع للغاية بالنسبة إلى المنظومة الكهربائية التونسية، خاصة عندما يتزامن الطلب الكبير مع خروج بعض وحدات الإنتاج عن الخدمة أو انخفاض قدرتها المتاحة.
لكن من الضروري الانتباه إلى أن بلوغ 6.5 جيغاوات لا يعني أن تونس تستهلك هذه القدرة طوال اليوم، إذ يرتفع الطلب وينخفض باستمرار حسب الساعة ودرجة الحرارة والنشاط الاقتصادي واستعمال أجهزة التكييف.
لماذا يمكن أن تنقطع الكهرباء حتى عندما تنخفض الحرارة؟
انخفاض درجات الحرارة يؤدي عادة إلى تراجع استعمال المكيفات وبالتالي انخفاض الطلب على الكهرباء، وهو ما يفترض أن يخفف الضغط على الشبكة.
لكن الحرارة ليست العامل الوحيد الذي يحدد إمكانية حدوث انقطاع.
فالمنظومة الكهربائية تعتمد على معادلة شديدة الحساسية:
الإنتاج المتاح + الواردات = الاستهلاك + هامش الأمان المطلوب للشبكة
وعندما يصبح الطلب أكبر من القدرة التي يمكن توفيرها فعليًا في لحظة معينة، يجب خفض الاستهلاك بسرعة للحفاظ على استقرار الشبكة.
مثال بسيط: ماذا يحدث إذا احتاجت تونس 5 جيغاوات ولم يتوفر سوى 4.7؟
الأرقام التالية مثال توضيحي وليست أرقامًا رسمية للوضع الحالي.
لنفترض أن تونس تحتاج في ساعة معينة إلى:
- الطلب: 5000 ميغاوات
- الإنتاج والواردات المتاحة: 4700 ميغاوات
- العجز: 300 ميغاوات
لا تستطيع الشبكة الاستمرار لفترة طويلة بهذه المعادلة دون إجراءات لتقليص الحمل.
ولهذا يمكن فصل مجموعة من المناطق التي تمثل أحمالها مجتمعة حوالي 300 ميغاوات، ليصبح الاستهلاك قريبًا من القدرة المتاحة.
بعد مدة، يمكن إعادة الكهرباء إلى هذه المناطق وقطعها عن مناطق أخرى، وهو ما يعرف بـالقطع الدوري للأحمال أو délestage.
هل يعني نقص الإنتاج أن الكهرباء تصبح “ضعيفة” في جميع المنازل؟
ليس بهذه البساطة.
في شبكة كهربائية سليمة، لا يتم عادة حل عجز كبير في القدرة عبر توزيع “كهرباء أضعف” بالتساوي على جميع المواطنين.
عند وجود اختلال كبير بين العرض والطلب، يمكن لمشغل الشبكة فصل أحمال معينة للحفاظ على استقرار المنظومة وتجنب اضطراب أوسع.
أما انخفاض الجهد الكهربائي الذي قد يلاحظه المواطن في بعض الحالات، فيمكن أن تكون له أسباب أخرى مرتبطة بشبكات التوزيع والمحولات والأحمال المحلية، ولا يعني تلقائيًا وجود عجز وطني في إنتاج الكهرباء.
ما الفرق بين الجيغاوات والجيغاوات ساعة؟
من أكثر النقاط التي تسبب الالتباس عند الحديث عن أزمة الكهرباء الفرق بين GW وGWh.
| الوحدة | ماذا تقيس؟ | مثال |
|---|---|---|
| GW | القدرة الكهربائية | الشبكة تحتاج 5 GW في لحظة معينة |
| GWh | كمية الطاقة خلال فترة زمنية | استهلاك قدرة 5 GW لمدة ساعة يعادل 5 GWh |
لذلك عندما نقول إن الطلب وصل إلى 6.5 جيغاوات، فنحن نتحدث عن مستوى القدرة المطلوبة في لحظة الذروة، وليس “6.5 جيغاوات في الساعة”.
لماذا ينخفض الطلب على الكهرباء ليلًا؟
الاستهلاك الكهربائي ليس ثابتًا طوال 24 ساعة.
خلال النهار تعمل الإدارات والمؤسسات والمحلات والمصانع والمراكز التجارية وعدد كبير من أجهزة التكييف، ما يؤدي إلى ارتفاع الحمل على الشبكة.
ومع دخول الليل وإغلاق جزء من الأنشطة الاقتصادية، ينخفض الطلب عادة.
لكن خلال الليالي شديدة الحرارة يمكن أن يبقى الاستهلاك المنزلي مرتفعًا بسبب المكيفات، كما أن أي انخفاض في القدرة المتاحة للإنتاج قد يجعل هامش الأمان محدودًا حتى مع انخفاض الطلب مقارنة بالنهار.
إذا تراجعت الحرارة كثيرًا، هل يجب أن تتوقف الانقطاعات؟
من حيث المبدأ، تراجع الحرارة وتراجع استخدام المكيفات يساعدان بصورة كبيرة على تخفيف الضغط على الشبكة.
لكن استمرار الانقطاعات يمكن أن يرتبط أيضًا بعوامل أخرى، من بينها:
- توفر وحدات الإنتاج من عدمه.
- الصيانة أو الأعطاب الطارئة في محطات الإنتاج.
- الأعطاب في شبكات النقل أو التوزيع.
- القدرة المتاحة للاستيراد في لحظة معينة.
- مستوى الطلب الفعلي على الشبكة.
- الحاجة إلى المحافظة على احتياطي أمان كافٍ.
لذلك فإن درجة الحرارة وحدها لا تكفي للحكم بدقة على وضع المنظومة الكهربائية.
السؤال الأهم: كم تنتج تونس فعليًا في لحظة الذروة؟
لفهم أسباب القطع بصورة دقيقة، لا يكفي معرفة القدرة النظرية لمحطات إنتاج الكهرباء.
الأهم هو معرفة القدرة المتاحة فعليًا في الساعة التي يحدث فيها العجز.
فمحطة قدرتها الاسمية 500 ميغاوات، على سبيل المثال، لا يعني ذلك بالضرورة أنها تضخ 500 ميغاوات في الشبكة في كل لحظة، فقد تكون وحدة منها في الصيانة أو تعمل بقدرة أقل.
وبالتالي فإن المؤشرات الأساسية التي تسمح للمواطن بفهم الوضع هي:
- الطلب الوطني اللحظي بالميغاوات.
- الإنتاج المحلي المتاح فعليًا.
- حجم الواردات الكهربائية.
- حجم الاحتياطي المتاح.
- الوحدات الخارجة مؤقتًا عن الخدمة.
هل يمكن أن يؤدي العجز إلى انقطاع شامل؟
الهدف الأساسي من القطع الدوري هو تحديدًا منع اختلال الشبكة من الوصول إلى وضع أخطر.
شبكة الكهرباء يجب أن تحافظ باستمرار على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وعلى التردد الكهربائي ضمن الحدود الفنية المطلوبة.
وعندما يظهر عجز، فإن تقليص الأحمال بطريقة منظمة يمكن أن يكون إحدى وسائل حماية المنظومة من اضطراب أوسع.
ماذا يعني تحسن الطقس للأيام المقبلة؟
إذا استمر انخفاض درجات الحرارة وتراجع استعمال المكيفات، فمن المفترض أن ينخفض أحد أهم مصادر الضغط الموسمي على الشبكة.
وهذا يعني نظريًا زيادة الفارق بين القدرة المتاحة والطلب، وبالتالي تراجع الحاجة إلى القطع المرتبط بذروة الاستهلاك الصيفية، شريطة توفر وحدات الإنتاج والشبكات بصورة طبيعية.
أما إذا استمرت انقطاعات واسعة ومتكررة رغم انخفاض الطلب بشكل واضح، فسيصبح من المهم معرفة البيانات التقنية المتعلقة بالإنتاج المتاح والأعطاب والاحتياطي والواردات لتحديد السبب بدقة.
الخلاصة
موجة الحر والمكيفات ساهمتا بقوة في رفع استهلاك الكهرباء في تونس إلى مستويات استثنائية خلال صيف 2026، لكن انخفاض الحرارة لا يعني تلقائيًا انتهاء جميع الانقطاعات.
المعادلة الحقيقية هي التوازن في كل لحظة بين الطلب والإنتاج المتاح والواردات وهامش الأمان.
وكلما انخفض الطلب مع تحسن الطقس، يفترض أن يتحسن هذا التوازن. لذلك فإن معرفة أرقام الإنتاج المتاح والطلب اللحظي تبقى العنصر الحاسم لتفسير استمرار أي قطع دوري خلال الفترة المقبلة.
تابع Tunimedia للحصول على آخر المستجدات المتعلقة بانقطاعات الكهرباء ووضع الشبكة والطاقة في تونس.



