رسالة قوية من برهان بسيس تكشف ما حدث داخل أسوار السجن

من داخل سجن المرناقية: برهان بسيس يبعث برسالة للرأي العام
نص الرسالة الكامل
سجن المرناقية – 27 جانفي 2026
من هذا المكان الذي صُمم ليحتجز الجسد ويكبّل التعبير، أتوجّه بالشكر الصادق إلى كل من تضامن وساند وقال كلمة حقّ، في زمن بات فيه الإنصات شاقًا والقول مسؤولية. قضيتي ليست حادثة شخصية، بل جزء من مسار عامّ تشهده حرية الرأي والتعبير حين تضيق مساحتها وتثقل كلفتها.
وقد حُوكمت على معنى المرسوم 54، وقضيت عقوبة سجنية دامت ثمانية أشهر، ولم يكن يفصلني عن نهايتها سوى بضعة أيام، قبل أن يصدر في حقي قرار إيداع جديد في قضية أخرى، بما يترك إحساسًا بأن الزمن العقابي صار متصلًا، وأن النهاية مؤجَّلة أكثر مما هي محدَّدة.
ما نُسب إليّ لاحقًا لم يتجاوز، في جوهره، مخالفات جبائية عادية، جرى تضخيمها وليّها قسرًا، وبُني فوقها ملف “تبييض أموال” لا ينسجم مع الوقائع ولا مع روح القانون. لم تكن المسألة يومًا أرقامًا ولا حسابات، بل حساسية من مهنتي الإعلامية ومن رأي عبّر عن نفسه خارج الاصطفافات السائدة.
أمّا عن مصادرة مبلغ الثمانين ألف دينار، فهنا لا أكتب تبريرًا ولا احتجاجًا، بل اعتذارًا. أعتذر لزوجتي، وأعتذر لعائلتي التي جمعت هذا المبلغ ادّخارًا عائليًا بسيطًا لمواجهة نوائب الدهر لنا ولحفيدنا هارون.
العائلة اليوم بلا مورد رزق، وقد حُرمنا حتى من حقّ التصرّف في مدّخراتنا لتأمين أبسط شروط العيش. كما أُعامل داخل السجن وفق تصنيف خاص، تُقيَّد بموجبه الزيارات وتُختزل اللقاءات خلف زجاج عازل.
نحن نتحمّل وحشة السجن وبرودته وعزلته… أمّا العائلات، فرجاءً، ارفعوا أيديكم عنهم.
برهان بسيس
سجن المرناقية
تحليل صحفي: أبعاد الرسالة
تتجاوز هذه الرسالة طابعها الشخصي لتطرح إشكالات أوسع تتعلّق بحرية الرأي وحدود العقوبة في القضايا ذات الصلة بالإعلام والتعبير.
على المستوى القانوني، تثير الرسالة مسألة تواصل الزمن العقابي، حيث يجد المعني نفسه أمام مسار إيقافات متتالية، ما يفتح نقاشًا حول مبدأ التناسب وضمانات المحاكمة العادلة.
مهنيًا، يربط بسيس بين قضيته وممارسته الإعلامية المستقلة، معتبرًا أن الإشكال لا يكمن في المخالفات المنسوبة إليه بقدر ما يرتبط بحساسية الرأي خارج الاصطفافات، وهو طرح يعيد إلى الواجهة سؤال هامش حرية التعبير في السياق العام.
أما إنسانيًا، فإن الرسالة تسلّط الضوء على الامتداد الفعلي للعقوبة إلى العائلة، سواء عبر مصادرة مدّخراتها أو تقييد التواصل الإنساني داخل السجن، رغم أن القاعدة القانونية تنص على شخصية العقوبة.
وبين القانون والواقع، تبقى الرسالة شهادة مباشرة على كلفة السجن حين لا تتوقف عند حدود الجدران، بل تمتد إلى من لا ذنب لهم سوى القرابة.



