free page hit counter
اخبار محليةصحة

عندما يموت الغنّوشي… مقال بقلم نصر الدين السويلمي

عندما يموت الغنّوشي…

الرئيس يسحب لقب الرؤساء الثّلاثة ويؤكّد أنّ لا رئيس في تونس غيره، ورئيس الحكومة يفرض التفويض ويقول أنّ لا دور لرئيس البرلمان، فيما وفاء الشّاذلي تقول لإعلام حفتر أنّ الغنّوشي حوّل مطارات تونس إلى قواعد تركيّة لقصف ليبيا، ويقوم تباعا بانتداب مهندسين للعمل مع قوّات الوفاق! إنّهم حين يرغبون في تحويله إلى بعبع يتهدّد السّاحة الوطنيّة والإقليميّة يفعلون ذلك! وحين يقتضي الأمر أن يُهرسل ويقزّم ويغبط لا يتردّدون في ذلك، مرّة هولاكو المدمّر ومرّة ذلك الأعرابي المغلوب على أمره.. كذا هم وكذا هي البروباغندا حين تتجرّد من كلّ ثيابها وتلتحق بنساء فيمن.

استلمه بورقيبة ومرّره إلى بن علي ومنه إلى الأزلام، استلمه الحصار ومرّره إلى السّجون ومنها إلى المهاجر، استلمته “ات ت” ومرّرته إلى قناة تونس7 ومنها إلى الوطنيّة الأولى، تماما كما استلمته مايا القصوري ومرّرته إلى عبير موسي ومنها إلى وفاء الشّاذلي، تماما كما استلمه البلومي ومرّره إلى بوغلّاب ومنه إلى العماري، تماما كما استلمته موزايّيك ومرّرته إلى شمس ومنها إلى الحوار التونسي، تماما كما استلمته شلّة مصر ومرّرته إلى شلّة أبو ظبي ومنها إلى شلّة الرياض، تماما كما استلمته العربيّة ومرّرته إلى سكاي نيوز ومنها إلى أون تي في، تماما كما استلمته اليوم السّابع ومرّرته إلى الاتحاد الإماراتي ومنها إلى العرب اللندنيّة….كلّهم نشبوا وكلّهم تحلّقوا وكلّ أسهم في النّتف والنّهش، هل تدري أيّها الزمن الكئيب أنّه وحتى قُفُيريش وحتى الهُشيمي الحامدي وحتى قعلولة وحتى المختار التليلي وحتى توفيق الغُريبي، حتى هؤلاء تحلّقوا ونتشوا وهبشوا نصيبهم من لحم هذا الحامي القديم.
كلّهم يقولون أنّه قاد وفعل وحرّض وأرسل وجيّش، وأنّه يحكم تونس ويقرّر ويعزل وينصّب، ثمّ هم أنفسهم عادوا وقالوا بأنّه لا يفهم في السّياسة ولا دخل له بالحكم ولا سطوة له ولا نفوذ ولا يد طويلة أو حتى قصيرة!!! وفق المقام ووفق أهداف الهجمة يجرّم الرجل أو يرذل، يهوّل أو يقزّم، إنّه لم يسبق لهذا الكوكتال من الأدلجة إلى الأزلام إلى الغباء.. لم يسبق لهؤلاء أن اجتمعوا على شخصيّة كما اجتمعوا على الغنّوشي ولا نالوا من سياسي كما نالوا منه، لاحقوا فيه الداعية ورجل الفكر ورجل السّياسة والمناضل، لم يتعبوا من قصفه ولا هو هدّته السنوات واضطّرته الهجمات إلى رمي المنديل، إنّه رجل يحسن تحمّل الكدمات ولا يحسن رمي المنديل، قالوا سنة 2013 لقد انتهى، ثمّ قالوا سنة2014 لقد فرض الدستور وذهب للانتخابات كما أراد، قالوا سنة 2015 لقد أصبح في جيب الباجي، ثمّ قالوا سنة 2016 لقد فكّك النّداء وعاد لحكم البلاد، قالوا سنة 2017 سيُجهز عليه مرزوق ومشروعه، ثمّ تنادوا سنة 2018 انفروا لقد هيمن على جلّ البلديّات الكبرى، قالوا سنة 2019 سيبتلعه قلب تونس، ثمّ قالوا سنة 2020 لقد مرّر الحكومة التي يرغب في تمريرها… ها هنا رجل يحسن العيش تحت الضغط العالي، رجل أسّس لمبدئ التأقلم السّياسي، انسحب من تحت القصف ثمّ تعايش مع القصف ثمّ تحصّن ضدّ القصف.. هذا رجل لم يشطبه دهاء السبسي.. إذا لن يشطبه رغاء الغواني، هذا رجل يتدفّق منذ ستينات القرن الماضي، ولن يتوقّف، وحدها الأقدار ستقوم بوقف تدفق هذا الغنّوشي.. حينها سيموت الرجل واقفا كما النّخيل، وسيفتحون على وقع موته قوارير الشمبانيا، سيسكرون كثيرا على وقع الجنازة.. سيرحل الرجل يوما ما ويخلّف مشهدا فريدا، سيصلّون عليه الكثير، وسيرقصون في يومه الكثير، هكذا كان المشهد يوم جنازة البنّا.. والثابت يقينا أنّ دموع المشيّعين ستكون أقوى وأفقه من خمرة الشّامتين… بيننا وبينهم يوم الجنائز.
في عمر يناهز 78 سنة مازال راشد الغنّوشي الملاحق رقم واحد للأنظمة الشموليّة وثوراتها المضادّة، مازال المطلوب رقم واحد على رادار إعلام الأزلام وإعلام أولاد زايد وإعلام السعوديّة وإعلام السّيسي وإعلام حفتر وكلّ إعلام الثّورات المضادّة، شاخ جريد الرجل وشارف على الثّمانين ومازالت الأسلحة مصوّبة متحفّزة، كأنّها تطارد ابن العشرين، ما زال في العمر بقيّة.. مازال الرجل يتكئ على عقوده الثمانية يهشّ بها الهزائم ويستمطر بها النّصر وله فيها مآرب أخرى.

نصرالدّين السويلمي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى